حسن الأمين
277
مستدركات أعيان الشيعة
حديثا . والكتب التي تقدمت هي المعول عليها لدى الشيعة . نشا إلى جانب الحديث « علم الرجال » أو علم « نقد الحديث » وهو علم يبحث في أحوال الرواة من حيث الوثاقة والصدق ويقال أن أول من قام بنقد الحديث والسنة وتكلم عن تاريخ المحدثين « ابن أبي حاتم » المتوفى سنة 328 ه ، ثم « الحاكم النيسابوري » من محدثي القرن الرابع ، وهو خير من وفى مصطلح الحديث حقه ، وكلاهما من أعلام أهل السنة . أما من الشيعة فقد انبرى لنقد الحديث جماعة منهم « أبو عبد الله محمد ابن خالد البرقي » من أصحاب الإمامين الكاظم والرضا ( ع ) ، و « محمد بن أحمد بن داود بن علي القمي » وله كتاب الممدوحين والمذمومين من الرواة ، و « أحمد بن الحسين بن عبيد الله الغضائري » ، يقال : إنه ألف كتبا استوفى فيها ذكر الممدوحين والمذمومين من كل من روى عن الأئمة ، و « أحمد بن محمد بن سعيد المعروف بابن عقدة » كان يحفظ عشرين ومائة ألف حديث ، بأسانيدها ، ويذاكر بثلاثمائة ألف حديث ، ومن جملة كتبه كتاب « أسماء الرجال الذين رووا عن الإمام الصادق » وكانوا أربعة آلاف رجل ، وبلغ نقد الحديث ذروته لدى الشيعة في كتاب « أحمد بن علي النجاشي » المتوفى سنة 450 ، وكان - فيما يذكر عنه - ثقة ، صدوق اللسان ، ضابطا للرجال ، قد اعتمد عليه كل من تأخر عنه في الجرح والتعديل ، وقد ألف كتابه ( الرجال ) برغبة من « الشريف المرتضى » . إن القرن الرابع أمد المرتضى بما اكتمل من تدوين الحديث شيعيا وغير شيعي ، ووضع بين يديه هذه الثروة الضخمة ثم مكنه من استعمال أداة الفحص - علم نقد الحديث - فظهرت آثار هذين في كتابيه « الانتصار » و « الناصريات » ، وظهرت آثار نقد الحديث أكثر وأبلغ فيما واجه به الحديث من نقد وفحص ، انتهى به إلى رفض أكثر الأحاديث ، وبخاصة ما ظهرت فيه روائح الغلو أو التشبيه أو الجبر ، كما انتهت به إلى الطعن في أخبار الآحاد غير الموثقة ، بل الموثقة ، إذ أنها لم تصلح بنظره مصدرا للتشريع . ج - في الفقه الإسلامي : وشهد هذا القرن ضعفا في الحياة الفقهية عند السنة نتيجة سدهم باب الاجتهاد ، بعد فتحهم إياه في القرون التي سبقته ، ولكنه شهد نشاطا فقهيا هائلا لدى الشيعة وقد كان باب الاجتهاد مسدودا لديهم من قبل ففتحوه . ومع وصفنا للفقه غير الشيعي بالجمود والركود فقد ظهر فيهم أعلام متميزون اختصوا بدراسته والتزام أحد المذاهب الأربعة ، فاجتهدوا حدودها ، وعنوا بالتمييز بين هذه المذاهب . كان من أعيان المذهب الحنفي : « أبو الحسن عبيد الله الكرخي » رئيس الحنفية في العراق توفي 340 هو « أبو بكر الجصاص البغدادي » [ المتوفس ] المتوفى 370 ه ، ألف الكتب الكثيرة على مذهب « أبي حنيفة » ، و « أبو الحسين أحمد القدوري » رئيس الحنفية في العراق توفي سنة 428 ه . وفي الفقه المالكي نهص « أبو الحسن علي بن أحمد البغدادي » المشهور « بابن القصار » وله كتاب مسائل الخلاف توفي سنة 398 ه . وفي الفقه الشافعي نبغ « علي بن عمر » البغدادي الدارقطني ، كان فقيها ، عارفا باختلاف الفقهاء ، توفي سنة 385 ه ، و « أبو الحسن الماوردي » من أبصر فقهاء الشافعية ، وله كتاب « الحاوي » في الفقه الشافعي . أما نشاط الفقه الشيعي فيظهر من فتحهم لباب الاجتهاد بعد أن كان مغلوقا . لقد ألف الشيعة كتابا فقهية لم تخرج في واقعها عن أن تكون أحاديث مبوبة بحسب أبواب الفقه ، ولم يكن لهم حق الاجتهاد طيلة حياة أئمتهم . وحين انتهت الإمامة إلى الإمام المنتظر سنة 266 هوبعد غيبته الكبرى سنة 329 هوانقطاع مصدرهم التشريعي شعروا بضرورة فتح باب الاجتهاد . وإذ توسط القرن الرابع أحس الشيعة بضرورة فتح باب الاجتهاد ، بعد أن خلي بينهم وبين الأحاديث ، لا يرجعون إلى إمام في تفسيرها ، وأخذ ما يجد لهم من أحداث فيها . كان أول المجتهدين « الحسن بن أبي عقيل العماني » المعاصر للشيخ « الكليني » في طلائع القرن الرابع ، وتبعه « محمد بن أحمد بن الجنيد » . قال صاحب روضات الجنات : « كان هذا الشيخ أول من أبدع أساس الاجتهاد في أحكام الشريعة ، وأحسن الظن بأصول المخالفين من علماء الشيعة » . ( 1 ) كان « ابن الجنيد » معاصرا للشيخ المفيد ، كما كان الشيخ المفيد راضيا عن عمله الاجتهادي ، ومن رضا « الشيخ المفيد » عنه ، امتدت يد الشيعة إلى فتح باب الاجتهاد . جاء « المرتضى » فانتفع بما ألفه أعلام المذاهب الأربعة وتلاميذهم في الفقه ، وبما حدده القرن الرابع من وجوه الخلاف بين هذه المذاهب ، ثم بما ألفه الشيعة من كتب فقهية على النسق الاخباري الأول ، واستعمل اجتهاده الشخصي بما مهده له « العماني » و « ابن الجنيد » المتقدمان ، فكتب وألف في « الفقه المقارن » ، واجتهد بآراء خاصة ، تحفظها له حتى اليوم كتب الفقه الشيعية ، ومن خير كتبه الدالة على سعة اطلاعه واجتهاده كتاباه « الناصريات » و « الانتصار » فقد ظهر فيهما مدى إلمامه بالمذاهب الفقهية الإسلامية ، شائعة وشاذة ، ومدى قدرته على استنباط الأحكام والاجتهاد فيها . د - في علم الكلام : أطل القرن الرابع وعلم الكلام يمشي إلى عليائه بقوة وفتاء ، بعد أن أصابته نكسة في عهد المتوكل - القرن الثالث - وكانت له من سياسة العصر مساندة دافعة ، فقد كان « البويهيون » بحكم تشيعهم وفارسيتهم ميالين إلى الفلسفة ، والكلام شعبة من شعبها . نبغ من السنة في الكلام قبيل القرن الرابع « أبو علي الجبائي » ، وكان إمام المعتزلة في بغداد ( 235 - 303 ) وولده « أبو هاشم عبد السلام » شارح مذهب أبيه ، وتلميذه « أبو الحسن الأشعري » ( 270 - 330 ) كان معتزليا ، ثم خرج على الاعتزال وحاربه في كتب كثيرة ، حتى عاد له مذهب يسمى باسمه ، وهو وإن خرج عن الاعتزال فلم يخرج عن أن يكون متكلما ، وناصر مذهبه جماعة من أكابر علماء العصر من أشهرهم « الباقلاني » و « ابن
--> ( 1 ) انظر روضات الجنات ص 33 ج 1 وج 2 ص 560 .